مرحلة المراهقة
تشكل فترة المراهقة إحدى مراحل نمو الإنسان، التي يتفاعل فيها النضج الجسمي والعقلي والنفسي، وتتحكم فيها عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية، مما يعطي سمة خاصة للمراهق. فطبيعة التفاعل بين الذات والمحيط الخارجي بالإضافة إلى ظروف التنشئة الاجتماعية للفرد هي ما يضفي على المراهقة طابعا سيكولوجيا معقدا يصعب التعايش معه، أو يجعل منها مرحلة نمو ونضج طبيعي. لذلك نجد انقساما في الرأي حول هذه المرحلة، حيث نجد التصورات المتشائمة، التي تعتبر المراهقة مرحلة صراعات وأزمات متسلسلة، والتصورات المتفائلة التي تعتبر المراهقة مرحلة نضج واكتمال الشخصية، وهو ما سنتناوله من خلال بعض النظريات حول المراهقة.
1. مفهوم المراهقة
غالبا ما نلاحظ تقاربا كبيرا بين مفهومي المراهقة والبلوغ لدرجة أن البعض يستعملهما بنفس المعنى. في حين أن هناك فروقا دقيقة تميز بينهما. فكلمة بلوغ puberté تشير إلى الجانب العضوي للمراهقة، وخاصة ظهور التغيرات الفيزيولوجية ونضج الغدد التناسلية التي تساعد على القيام بالوظائف الجنسية سواء عند الذكر أو الأنثى، ومن ثم فهو يمثل جانبا من جوانب المراهقة، كما أنه يعتبر مؤشرا على الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو. أما كلمة مراهقة Adolescence فتشير إلى "المرحلة التي يحدث فيها الانتقال التدريجي نحو النضج البدني والجنسي والعقلي والنفسي. أما عن الأصل اللغوي للكلمة فيرجع إلى فعل راهق بمعنى الاقتراب".1 ويقال راهق الغلام إذا قارب الاحتلام أي أشرف على سن القدرة على الإنجاب، وراهق سن البلوغ أي قاربه. كما أن هناك من يستعمل مفهوم الشباب كمرادف للمراهقة وخاصة المرحلة المتأخرة منها.
ويعتبرموريس دوبيس M. Debesse أن الشباب هو الجانب الاجتماعي للمراهقة ويرى كينستون Kinstoone أن مصطلح الشباب يقصد به الأفراد الذين يدخلون مرحلة من مراحل النمو التي تلي المراهقة وتسبق فترة الرشد. ويذهب أحمد أوزي إلى أن الطابع المميز لفترة الشباب عما قبلها من المراحل هو انتهاء الفرد من حل الجانب الأكبر من مشاكل الهوية والاستقرار العاطفي وانتهاء طور التمرد والعصيان اتجاه الأسرة. في حين أن مفهوم المراهقة يدل على الطابع غير المكتمل ويعطي معنى سلبي لهذه المرحلة، إذ نتكلم أحيانا عن شخص ظل مراهقا في سلوكه رغم بلوغه سن الرشد. وهكذا نجد أن لفظة البلوغ ترتبط بالجانب الفيزيولوجي، ولفظة المراهقة تعني الجانب السيكولوجي ولفظة الشباب تخص الجانب الاجتماعي.
2-تقسيم فترة المراهقة
تمتد فترة المراهقة من بداية البلوغ إلى بداية الرشد. ويتفق معظم الباحثين على أن الفتاة تبلغ قبل الفتى بمعدل سنة أو سنتين، وتمتد هذه الفترة عموما من 11-12 سنة إلى 21 سنة. ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل وهي كالتالي:
- المراهقة المبكرة من سن 12 إلى 15 سنة؛
- المراهقة المتوسطة من سن 16 إلى 17 سنة؛
- المراهقة المتأخرة من 18 إلى 21 سنة.
ويذهب علم النفس الحديث إلى اعتبار أن فترة المراهقة ترتبط ارتباطا وثيقا بالمراحل السابقة واللاحقة، وبالتالي فإن كل مرحلة تعتبر ذات تأثير بليغ في المرحلة التي تليها.
3-الخصائص المميزة للمراهقة
تختلف فترة المراهقة من مجتمع لآخر من حيث طولها وقصرها، أو من حيث المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للأسر. حتى أن بعض المجتمعات التي تسمى بالبدائية لا يعرف أطفالها ما يسمى بأزمة المراهقة لأنه يتعين على الفرد في هذه الفترة أن يجتاز بعض التجارب الصعبة التي تنظمها له القبيلة والتي تسمى باسم شعائر التعريف. فإذا ما اجتاز هذه التجارب بنجاح اعتبرته القبيلة راشدا واكتسب بالتالي كل الحقوق الخاصة بالراشدين. وإذا ما فشل في هذه الشعائر تحدد له موعدا آخر ليجتاز التجارب نفسها. ونجد الآن في العديد من البوادي أن فترة المراهقة غير طويلة إن لم تكن منعدمة لأن الفتى أو الفتاة بمجرد ما يصلان سن البلوغ يتقلدان المسؤولية ويدمجان في الحياة الاجتماعية مباشرة. حيث تتجه الفتاة إلى الزواج والأمومة ويتجه الفتى إلى العمل بالتجارة أو الزراعة أو الرعي. أما المراهق في المجتمعات الحضرية فهو راشد من الناحية البيولوجية إلا انه طفل من الناحية الاجتماعية حيث أن هذه المجتمعات تفرض على المراهق فترة طويلة نسبيا من التبعية الاقتصادية اتجاه والديه، لذا نجده ممزقا بين دوره كراشد بيولوجيا ودوره كطفل اجتماعيا واقتصاديا. ومن ثم فإن عدم الوضوح في المكانة التي يحتلها المراهق في هذه المجتمعات الحديثة هو الذي يفسر الاضطرابات السلوكية التي تظهر عليه أحيانا.
4-أنواع المراهقة
انطلاقا من الخصائص المميزة لفترة المراهقة يمكن الحديث عن أنواع مختلفة للمراهقة تحكمها العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية وكذلك العوامل الجغرافية، والاقتصادية والاستعدادات التكوينية. وبما أن هذه العوامل لا توجد بشكل متساو لدى الأفراد يمكن القول بأن المراهقة تختلف من فرد لآخر ومن بيئة لأخرى. وكمثال على ذلك نجد أن النمو الجنسي الذي يحدث في المراهقة لا يؤدي بالضرورة إلى حدوث أزمات لدى المراهقين، ولكن دلت التجارب على أن النظم الاجتماعية الحديثة التي يعيش فيها المراهق هي المسئولة عن حدوث أزمة المراهقة. فقد أثبتت الأبحاث التي أجرتها مارغريت ميد M. Mead في المجتمعات البدائية أنه يرحب بظهور النضج الجنسي، فيقام له حفل تقليدي ينتقل بعده الطفل مباشرة إلى مرحلة الرشد.
ومن ثم يمكن الحديث عن أنماط مختلفة من المراهقة وهي:
- مراهقة سوية خالية من المشاكل والصعوبات.
- مراهقة انطوائية حيث ينسحب المراهق من مجتمع الأسرة ومن مجتمع الأقران ويفضل الانعزال والانفراد بنفسه ليتأمل ذاته ومشكلاته.
- مراهقة عدوانية يتسم سلوك المراهق فيها بالعدوان على نفسه وعلى غيره من الناس والأشياء.
وهكذا نجد أن الاختلاف في المراهقة لا يرجع إلى طبيعة هذه المرحلة في حد ذاتها، بقدر ما يعزى إلى خصائص شخصية المراهق وبنيتها التكوينية وطبيعة التفاعل مع البيئة الاجتماعية بمتغيراتها المختلفة.
5-مظاهر النمو في فترة المراهقة
تتميز مرحلة المراهقة بتغيرات واضحة ونمو سريع على المستوى الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي. وقد لوحظت بعض الفروق بين الجنسين فيما يخص فترة البلوغ، حيث أن الفتاة تصل إلى مرحلة النضج الجنسي قبل الفتى بمعدل سنتين في المتوسط. كما أن هناك فروقا بين الأفراد في سرعة النمو واكتمال النضج، يمكن إرجاعها إلى عوامل التغذية والمناخ والأمراض وغيرها. ففي المناطق الحارة يصل الأطفال إلى النضج الجنسي والمراهقة في سن مبكرة مقارنة مع أطفال المناطق الباردة. كما تؤثر حالات المرض الطويل والضعف على تأخر النضج الجنسي. ومعنى ذلك أن فترة المراهقة في رمتها هي نتاج للتفاعل بين مختلف العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية، حيث تظهر على المراهق آثار الطفرة النوعية لهذه المرحلة الانتقالية، فيستجيب لها بسلوكيات تتفق تارة مع معايير المجتمع، وتارة مع مزاجه الخاص. فما إذن هي تجليات هذا النمو؟ وكيف يتفاعل معها المراهق؟
1.5- النمو الجسمي
تتميز مرحلة المراهقة على المستوى الجسمي بنمو الغدد الجنسية Les glandes sexuelles التي تمكن من القيام بوظائف التناسل. وهذه الغدد الجنسية عبارة عن المبيضين عند الأنثى والخصيتين عند الذكر.
- بالنسبة للأنثى
تقوم الغدد الجنسية (المبيضان) بإفراز البويضات فيظهر الطمث عند الفتاة بسبب انفجار البويضة الناضجة في المبيض، فينتج عنه نزول دم الحيض ويظهر أول حيض لدى الأنثى ما بين سن التاسعة والرابعة عشرة، وذلك بحسب المتغيرات التكوينية والفيزيولوجية والعوامل البيئية. ويصاحب النضج الجنسي في مرحلة المراهقة ظهور مميزات أخرى يطلق عليها الصفات الجنسية الثانوية، وتتجلى في نمو عظام الحوض، وتراكم الدهون في الأرداف ونموهما بشكل واضح، كما تتجلى في ظهور الشعر فوق العانة وتحت الإبط وكذلك نمو الثديين والمهبل والرحم. وتحدث دورة الحيض للفتاة كل 28 يوما وقد لا يكون حدوث الدورة منتظما في بداية البلوغ فقد يتأخر ظهورها مرة أخرى بين شهر وسنة كاملة لتعود إلى الانتظام بشكل تلقائي.
- بالنسبة للذكر
تقوم الغدد التناسلية عند الذكر(الخصيتان) بإفراز الحيوانات المنوية والهرمونات الجنسية وتمتزج الحيوانات المنوية بسائل منوي لزج تفرزه البروستات. ويرافق النمو الجسمي عند الفتى ظهور بعض الصفات الجنسية الثانوية كخشونة الصوت ونمو الشعر فوق العانة والذقن والشارب. بالإضافة إلى نضج الغدد الجنسية وظهور بعض التغيرات التي تحدث في إفراز الغدد الصماء Glandes endocriniennes سواء عند الذكر أو الأنثى، وهي عبارة عن مجموعة من الغدد التي لا تتوفر على قنوت تمكنها من وضع إفرازاتها خارج الجسم، بل تصبها مباشرة في الدم، وتسمى إفرازات هذه الغدد بالهرمونات وهي عبارة عن مواد عضوية. ففي مرحلة المراهقة يزداد إفراز الغدة النخامية hypophyse للهرمونات المنبهة للجنس بينما يحدث ضمور في الغدد الصنوبرية épiphyse والتيموسية أو الزعترية Thymus.
وعموما يمكن القول بأن النمو الجسمي في مرحلة المراهقة يتجلى على شكل تغيرات جسمية خارجية يمكن للمراهق وللوسط الاجتماعي أن يلاحظها بسهولة ووضوح. كما أن هناك تغيرات فيسيولوجية داخلية تتجلى في الوظائف الجديدة التي تقوم بها الأعضاء في مرحلة المراهقة.
2.5- النمو العقلي
تتميز فترة المراهقة بنمو سريع للقدرات العقلية، حيث تنضج الاستعدادات الخاصة للمراهق، فيصبح قادرا على القيام بالعديد من العمليات العقلية العليا التي لم تكن موجودة في السابق. ويعتمد بياجي في تفسيره للمراهقة على الجانب المعرفي، حيث يعتبر النمو عملية متصلة، وأن مرحلة المراهقة ترتبط بالمراحل السابقة. وتوازي فترة المراهقة حسب بياجي ميلاد العمليات الصورية أو المجردة، وهي مرحلة متقدمة من مراحل النمو المعرفي عند الطفل. والتي تبلغ اكتمالها ما بين 15-16سنة عند المراهق بتوازي مع نضج المنظومة العصبية. ومن الخصائص العامة لهذه المرحلة أيضا اكتساب نوع جديد من الاستدلال.
كما يتميز التفكير لدى المراهق بنوع من التجريد، وإعادة النظر فيما تلقاه من قيم ومعايير اجتماعية، وهو ما يدل على نمو الذكاء وبعض القدرات النقدية. فهو يريد أن يبني معاييره الخاصة التي تقوم على أساس الاقتناع لا على أساس التلقين من الآخر. لذلك نجد لديه الكثير من التساؤلات حول الأشياء الميتافيزيقية، مثل التساؤل حول أصل العالم، والله، وحقيقة الرسل والملائكة... إضافة إلى اهتمامه بمشاهير الفن والرياضة والعلم وأبطال التاريخ، ومحاولة تقمص بعض الشخصيات المعروفة في مجال معين. كما يمتاز خياله بالعمق والخصوبة ويميل إلى إشباع كثير من رغباته عن طريق أحلام اليقظة.10
وإذا كانت هذه هي خاصية النمو العقلي لدى المراهق فإن ذلك لا ينفي وجود بعض الصعوبات في التعلم والتي يجب أن يأخذها المدرس بعين الاعتبار ويتعامل معها بنوع من المرونة والمعالجة التربوية السليمة. ومن أبرز هذه الصعوبات تشتت الانتباه بسبب عوامل داخلية أو خارجية، فقد يشرد عقل التلميذ وينشغل بأحلام اليقظة وما يمر بذهنه من خواطر وأفكار، وهو ينظر في نفس الوقت إلى المدرس حيث يكون ذلك الحاضر الغائب. وقد يرجع البعض ذلك إلى عدم اهتمام التلميذ بالدرس. وهناك حالات أخرى يكون فيها التلميذ كثير الكلام والحديث مع زملائه خاصة أثناء شرح الدرس، وإذا ما جلس في مكان ما فهو لا يستقر في حالة واحدة.
ومن ثم كان دور التحفيز هاما لإثارة اهتمام التلاميذ بموضوع الدرس. فالتلميذ المراهق في حاجة إلى وقت إضافي ليبدي استعداده وقدرته على استيعاب الدرس ومتابعة ما يجري داخل الفصل الدراسي. فقد يعاني التلميذ من عدم القدرة على المتابعة والتواصل وينصرف ذهنه للتفكير في أشياء أخرى استعصى عليه فهمها فيحاول جاهدا أن يفهمها بنفسه. وقد يعيد المدرس شرح الدرس ويطرح التلميذ سؤالا عن أمر سبق أن ناقشه المدرس قبل دقائق فيتهمه بالعبث والانصراف عن الدرس.
ولعل إثارة انتباه التلميذ المراهق تتطلب توفير بعض الشروط الموضوعية أهمها:
- ملائمة موضوع التعلم لاهتمامات التلميذ.
- العلاقة التفاعلية بين التلميذ والمدرس، فكلما كانت هذه العلاقة قائمة على الاحترام والود والتفهم كلما أعطت المراهق الثقة بالنفس وكانت أكثر تحفيزا له على التحصيل والانتباه، عكس العلاقة القائمة على التسلط والعدوانية والتحقير.
- العلاقة التفاعلية بين المراهق وجماعة القسم، ذلك أن العمل الجماعي داخل الفصل الدراسي يتيح للمراهق فرص إغناء شخصيته وإعدادها من خلال التعامل مع أقرانه وفق علاقات ومبادئ محددة، وهذا ما يجعل المراهق يكتسب أفكارا وطرقا مختلفة في التواصل مع الآخرين.
3.5- النمو النفسي والاجتماعي
يمكن الحديث عن اتجاهين حول النمو النفسي والاجتماعي والخصائص المميزة للمراهق وهما كالتالي:
- الاتجاه الأول
وهو اتجاه غالب، يعتبر المراهقة مرحلة شك ومعاناة وتوتر وقلق وعدم استقرار وصراع وثورة على الذات والأسرة وتمرد على الوالدين وخروج عن العادات والتقاليد. ويفسر أصحاب هذا الاتجاه اضطراب المراهق وعدم توافقه في هذه المرحلة بعملية البلوغ وما يصاحبها من تغيرات في نمو الغدد ووظائفها، حيث يشعر الناشئ بمشاعر غريبة قد يضطرب بسببها. كما قد يغذي ذلك علاقات الصراع بين الآباء والأبناء بسبب التباعد في الاتجاهات والأفكار، مما يجعل المراهق متأرجحا بين التقدم نحو الرشد، والنكوص إلى الطفولة.
كما أن المراهق يصبح أكثر تمركزا حول ذاته من مرحلة الطفولة. فهو يريد إخضاع الواقع لرغباته ويجعل من نفسه محور الكون. في حين أن الراشد يخضع لمتطلبات الواقع ويعمل على الموازنة والتوفيق بينها وبين المحيط الاجتماعي. فالمراهق ينظر إلى نفسه كذات مستقلة ويتجه إلى تعميق الوعي بذاته ويتأملها باستمرار وكأنها شيء جديد بالنسبة إليه. ويسمي يونج هذه الظاهرة بتيقظ الشعور أو الميلاد النفسي الذي يتم بعد البلوغ وانبثاق الحياة الجنسية، حيث تظهر تغيرات جسمية مفاجئة بشكل يثير انزعاج المراهق ويجعله كثير الاهتمام بنفسه. فالمراهق عندما كان طفلا لم يكن ليهتم كثيرا بتغيراته الجسمية. لأن النمو في فترة الطفولة خاصة منها الوسطى والمتأخرة يكون بطيئا جدا لدرجة لا يشعر معها بتقدم واضح. كما أن الطفل يهتم كثيرا باللعب واستكشاف العالم الخارجي، لكنه بمجرد ما يصل مرحلة البلوغ يتحول هذا الاهتمام إلى ذاته فيقضي ساعات طويلة أمام المرآة ينظر إلى جسمه ويتأمل مختلف التغيرات التي لحقته، مما قد يسبب له الكثير من الانزعاج والإحراج والاضطراب، وبالأخص إذا كان الأفراد المحيطين به يثيرون انتباهه باستمرار إلى هذه التغيرات كعلامة على تخبطه وضرورة ابتعاده عن التصرفات الطفولية.
وأمام هذا الوضع يحاول المراهق التخلص من عالم الطفولة ومن كل الروابط التي تشده إليها ويتجه نحو "تغيير الانتماء للجماعة" حسب لوين كورت. فبعدما كان المراهق يعتبر نفسه ويعتبره الآخرون طفلا، نجده يحاول بكل قواه الهروب من المظاهر الطفولية ويتجه نحو عالم الراشدين. لكن هذا الانتقال ليس بالأمر السهل إذ تترتب عليه نتائج واضطرابات شديدة. فالانتقال من عالم الطفولة إلى عالم الراشدين يوازي من الناحية المعرفية، حسب لوين كورت، دخول منطقة مجهولة المعالم مما يجعل الفرد غير مدرك للوجهة التي تبلغه هدفه. وهذا النقص في الوضوح خلال هذه الفترة العصيبة من النمو يجعل المراهق وبخاصة في المجتمعات الحضرية التي تقيم فواصل بين جماعة الأطفال وجماعة الراشدين يشبه موقف الرجل الهامشي الذي يقف على الحدود، فلا هو بطفل ليقف في جماعة الأطفال ولا هو براشد لينضم إلى جماعة الراشدين، فهو شخص يقف على الحدود بين جماعتين غير متأكد من انتمائه إلى إحداهما، وموقف كهذا يسلم صاحبه إلى عدم الاستقرار الوجداني، وإلى الحساسية والانفعالية الزائدة، أضف إلى ذلك ما قد يعانيه المراهقون والشباب من مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية بسبب التغيرات التي يشهدها العالم وما يترتب عليها من خلط وتضارب في القيم التي تتناقض من البيت والمدرسة إلى الشارع ووسائل الإعلام.
ويعتبر Stanley Hall ستانلي هول من أوائل علماء النفس الذين اعتبروا مرحلة المراهقة مرحلة أزمة لما تنطوي عليه من اضطرابات وصراعات. وقد ساهمت مدرسة التحليل النفسي بقسط وافر بتقديم صورة عن المراهقة أهم ما يطبعها الاختلال، وسوء التكيف الانتقالي للمرور إلى المرحلة اللاحقة من النمو. ويرى سيجموند فرويد S. Freudأن مرحلة المراهقة هي إعادة إنتاج لصراعات قديمة خاصة بالمرحلة الأوديبية، ولكي يتمكن المراهق من استعادة توازنه المفقود نتيجة اختلال منظومة العلاقات اتجاه الصور الوالدية بسبب النكوص إلى المرحلة الأوديبية، فإنه يلزم نفسه بالتخلي عن التقمصات الوالدية لتأكيد ذاته.
وجدير بالإشارة هنا أن فرويد يفضل استعمال مفهوم البلوغ بدل مصطلح المراهقة، ويعتبر هذه المرحلة بمثابة سلسلة من الصراعات الانفعالية والجنسية التي ليس بينها وبين الأعراض "العصابية والذهانية" اختلاف كبير. وترى أنا فرويد Anna Freud(1975) أن الآليات الدفاعية المتبلورة طيلة مرحلة الكمون تعجز عن مواجهة النزاعات "الليبدية" الناتجة عن الدخول في مرحلة المراهقة، مما يترتب عنه تقوية الهو وإضعاف جانب الأنا، ومن ثم ارتفاع حدة الصراع، مما يؤدي الى حالات من القلق والشعور الحاد بالذنب.
وتذهب ميلاني كلاين (1962) Melanie Klein في تفسيرها للمراهقة إلى ظاهرة الإعجاب بالبطل أو تأليهه لدى المراهق، وتعتبر ذلك تعبيرا عن تصدع أحاسيس الحب والبغض والتي غالبا ما تطبع مرحلة الطفولة بسبب ظهور التنافس الأوديبي، وما ينتج عنه من كره للأب. كما أن المراهق حسب ميلاني كلاين تكون لديه حاجة كبيرة لإيجاد مثل أعلى يقتدي به، وهو ما يخلق لديه شعورا قويا بالثقة والأمن الداخلي.
أما الفرويدية الجديدة فقد وجهت انتقادات كثيرة لتفسيرات فرويد وتلامذته، وذلك بسبب تركيزهم على المعطى البيولوجي والدافع الجنسي، وإهمال الأبعاد الاجتماعية والثقافية لدى المراهق، وهي الثغرة التي حاولت الفرويدية الجديدة أن تتداركها. ومن رواد هذا الاتجاه ألفرد أدلر Alfred Adler الذي عمل على تفسير المراهقة انطلاقا مما أسماه بآلية التعويض عن بعض مشاعر النقص، وكذلك انطلاقا من مفهوم الذات المبتكرة التي تتجه إلى تطوير نفسها نحو الأفضل. كما نجد إريك فروم Erick Fromm وكارن هورني K. Horney وهنري سوليفان H. Sullivan من الفرويديين الجدد الذين فسروا المراهقة انطلاقا من الجانب الاجتماعي للحاجات الإنسانية، وما تنتجه من صراعات نفسية سواء في الطفولة أو المراهقة. وفي نفس الاتجاه نجد إريكسون E. Erikson يفسر النمو الإنساني انطلاقا من مفهوم الأزمة. ويذهب إلى أن هناك ثمان مراحل تطبع كل واحدة منها أزمة من أزمات النمو. وينطبق هذا المفهوم على المراهقة أيضا، لأنها مرحلة تتميز بعدم الاستقرار والبحث عن الهوية وهوما يفسر مظاهر القلق لدى المراهقين حسب إريكسون.
- الاتجاه الثاني
يعتبر المراهقة بصفة عامة مرحلة ارتقاء ونضج وليست مرحلة مشاكل واضطراب. ففيها تكتمل شخصية الإنسان وينضج جسمه وذهنه وتنمو ثقته بنفسه ويزداد تحصيله الدراسي ويكتسب الكثير من الخبرات والمعلومات. وهذا الاتجاه تمثله دراسات الأنثروبولوجيين للمراهقين في المجتمعات البدائية مثل مارجريت ميد Margaret Mead وروث بندكت Ruth Benedict. كما أن هناك بحوثا كثيرة أجريت في أوربا وأمريكا مثل دراسة زازو B. Zazzo وآخرون (1975) وأدلسون ودوفا Adelson and douva (1966) وميدناس وجونسون Maedenas and Johnson(1970).
كما أثبتت دراسات أخرى مثل دراسات بريل(1921) Prill ولونج (1941) Long وولسون(1955) Wilsonوهيرلوك Hurlock وسندر Sender (1939) أن مرحلة المراهقة ليست هي الفترة الوحيدة التي تعرف بعض الصعوبات، بل هناك فترات من الطفولة أكثر صعوبة وحرجا في حياة الإنسان. وقد كشفت بعض الدراسات على أن مرحلة الطفولة المتأخرة أكثر حرجا من مرحلة البلوغ نفسها، ومن الخطإ تسميتها بمرحلة الكمون Période de latence لأنها مرحلة نمو ونضج في الشخصية.
وفي الدراسات التتبعية التي قام بها Offer (1975) تم التوصل الى نتائج تدعو الى إعادة النظر في مفهوم أزمة المراهقة. فقد تتبع الباحثون من خلال الدراسة ثمانين مراهقا طيلة ثمان سنوات مستعملين أدوات مختلفة للقياس، مثل: المقابلات، الاختبارات، استبيانات الهوية، مقابلات مع الآباء والأساتذة، وقد أفادت نتائج الدراسة أن المراهقين الذين تم فحصهم عانوا بدون استثناء من حالات من التوتر نتيجة للصعوبات النفسية المميزة لهذه الفترة من النمو لكن نادرا ما كان من بينهم من وصل بهم الوضع الى درجة الأزمة.
ومن الدراسات التي كشفت عن نتائج مماثلة في العالم الإسلامي، الدراسات التي قام بها هاروتيون دافيديان Harutiun Davidian 1973 حيث حاول تطبيق نظريات التحليل النفسي في دراسة النسق الثقافي الإيراني، وتبين له خلو هذا السياق الثقافي من العوامل التي تهيئ المراهق عادة لاكتساب عقدة أوديب وما يرتبط بها من صراعات نفسية يعاد إنتاجها في مرحلة المراهقة كما هو الامر في المجتمعات الغربية. ويرى الباحث أن هذه النتيجة تنطبق على جل المجتمعات الاسلامية والأسيوية. كما أكدت دراسات أخرى مثل دراسات عبد الوهاب بوحديبة حول الجنس في الاسلام 1975 أن المجتمعات العربية لا تعرف ما يسمى بعقدة أوديب. ويرجع ذلك الى كون المراهق في هذه المجتمعات يتقمص شخصية أبيه بكيفية كاملة كما أن نمط التربية المعتمد فيها لا يساهم في خلق حالات أوديبية.
6. المراهقة في المجتمع المغربي
يؤكد صلاح مرحاب وغيره من الباحثين في العالم العربي والإسلامي، أن اعتبار فترة المراهقة هي فترة قلق واضطراب ومشاكل، لا ينطبق على جميع المراهقين بالمغرب. ذلك أن المراهقة لا تعني دائما القلق أو الاضطراب أو الصراع. وإذا كان هناك مراهقون يظهرون بعض القلق أو عدم الثقة بالنفس أو الآخرين، فليس هذا من طبيعة المراهقة بقدر ما هو من طبيعة تكوينهم النفسي وعوامل البيئة الممهدة لذلك. وهكذا فان ما قد تعرفه مرحلة المراهقة من اضطرابات رهين بعوامل اجتماعية مترتبة عن الظروف التي يعيشها المراهق اثناء فترة البلوغ وقبلها، وببعض المحددات البيولوجية والاجتماعية المفروضة عليه كالجنس وترتيبه بين إخوته ودخل الاسرة، وغيرها من متغيرات الشخصية والخبرات المكتسبة وأساليب التنشئة الاجتماعية. ولعل ما قد يظهره المراهق من عدم التوافق يكون مرده الى فروق جوهرية في التكوين النفسي، وخبرات الطفولة. من هنا يذهب صلاح مرحاب إلى أن فترة المراهقة ليست دائما فترة قلق واضطراب، فالمراهق في المجتمع إنسان قبل كل شيء يخضع لسنة التطور ويتدرج من الطفولة الى المراهقة الى الرشد، وينمو نموا متصلا فتتحول قدراته وتنضج شخصيته في إطار العوامل الذاتية والاجتماعية المحيطة به.
لكن هذا كله لا ينفي وجود نسبة من المراهقين الذين يعانون من صراعات داخلية وعدم القدرة على التوافق مع المحيط، مما قد يكون له بالغ الأثر على تحصيلهم الدراسي، وأنماط السلوك والاتجاهات نحو المدرس والمحيط المدرسي بشكل عام. ولعل في ذلك دعوة ضمنية إلى كل الفاعلين التربويين للأخذ بعين الاعتبار هذه الخصائص والنظر للمراهق نظرة المتفهم الواعي بخصوصية المرحلة، والمستوعب لكل تجاوز أو انفلات سلوكي يمكن أن يصدر عن التلميذ في هذه المرحلة.
وعموما يمكن القول إن مرحلة المراهقة لا تأخذ طابعا نمطيا موحدا لدى جميع المراهقين وذلك لاختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، واختلاف أنماط الشخصية وطبيعة البنيات النفسية والتكوينية بين المراهقين. بمعنى آخر أن مرحلة المراهقة ليست واحدة في كل المجتمعات لأنها مرتبطة بمجموعة من العوامل الديناميكية الخاصة بالفرد والمجتمع.
المراجع
- أحمد أوزي (2000) المراهق والعلاقات المدرسية. منشورات مجلة علوم التربية العدد الثامن. الطبعة الثانية.
- سعيد زعيم (1997-1998) الصحة النفسية وعلاقتها بالتدين. دراسة مقارنة بين الجنسين في مرحلة المراهقة. أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في علوم التربية. إشراف صلاح أحمد مرحاب. كلية علوم التربية. جامعة محمد الخامس. الرباط.
- صلاح أحمد مرحاب (1989) سيكولوجية التوافق النفسي ومستوى الطموح. دار الأمان. الرباط.
- صمويل مغار يوس. (ب ت) مشكلات الصحة النفسية في الدول النامية. أورده عبد الرحمن محمد عيسوي. مرجع سابق.
- عبد الرحمن محمد عيسوي (1974) علم النفس الفسيولوجي. دراسة في تفسير السلوك الإنساني. دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت.
- كمال مرسي (1978) القلق وعلاقته بالشخصية في مرحلة المراهقة. دراسة تجريبية. القاهرة. دار النهضة العربية. منشورات مكتبة علم النفس.
- مصطفى فهمي (1961) سيكولوجية الطفولة والمراهقة. مكتبة مصر.
- Bedin, V. (2019). Qu’est-ce que l’adolescence ? Sciences Humaines
- Ferrer-Wreder, L., & Kroger, J. (2019). Identity in adolescence : The balance between self and other. 4th ed. ROUTLEDGE
- Hay, D. F. (2019). Emotional development from infancy to adolescence : Pathways to emotional competence and emotional problems. Routledge
- Smith, P. K. (2016). Adolescence : A very short introduction. Oxford University Press
- Steinberg, L. D. (2017). Adolescence (Eleventh Edition). McGraw-Hill Education

تعليقات
إرسال تعليق