التعلم وشروطه
التعلم خاصية مشتركة بين الإنسان والحيوان، ويكمن الفرق في نوعية هذا التعلم وإمكانية تطوره ومدى ارتباطه بالعمليات العقلية العليا مثل التفكير والفهم والإدراك. فإذا كان التعلم عند الحيوان مرتبطا بحاجات أولية غريزية يتوقف عندها، فإن التعلم عند الإنسان يرتبط بعمليات عقلية قابلة للتطور والنمو مدى الحياة.
فما هو التعلم إذن؟ وماهي شروطه؟ وماهي النظريات المفسرة لفعل التعلم؟
1. تعريف التعلم
بداية نقول: التعلم مفهوم افتراضي لا يمكننا مشاهدته وإنما نستدل عليه من خلال ما نلاحظه من نتائج وآثار التغير في سلوك الإنسان أو الحيوان.
هناك تعاريف كثيرة لمفهوم التعلم من بينها على سبيل المثال:
- تعريف جيلفورد Guilford :
التعلم هو تغيير في السلوك ناتج عن إثارة ما، وهذا التغيير في السلوك قد يكون نتيجة لأثر منبهات بسيطة وقد يكون نتيجة لمواقف معقدة.
- تعريف ثورندايك Thorndike:
التعلم هو سلسلة من التغيرات في السلوك الإنساني، أو أنه تغيير ثابت نسبيا في السلوك ناتج عن خبرة سابقة للفرد.
ونظرا لأن موضوعنا هو التعلم داخل المدرسة يمكن إضافة تعريف آخر يأخذ بعين الاعتبار أهم ا لعوامل الفاعلة فيه سواء كانت مرتبطة بالفرد أو بالموضوع أو بالوضعية العامة التي يحدث فيها التعلم وهو كالتالي:
- تعريف عبد الكريم غريب:
التعلم هو عملية اكتساب لسلوك معين، معارف، مواقف، مهارات...ويتم هذا الاكتساب في وضعية محددة ومن خلال التفاعل ما بين الفرد المتعلم وموضوع التعلم. أوهو عملية اكتساب الوسائل المساعدة على إشباع الحاجات والدوافع وتحقيق الأهداف، وهو كثيرا ما يتخذ صورة حل المشكلات.
فعملية التعلم إذن هي نتاج تفاعل بين الذات المتعلمة من جهة وما يحيط بها من شروط خاصة مثل الاستعدادات والقدرات الذهنية والنفسية والاجتماعية...وبين موضوع التعلم أي ما يمكن أن يتعلمه الفرد من أفكار وتصورات ومهارات... إلى غير ذلك.
وهناك من جهة ثالثة الوضعية التعلمية أي السياق العام الذي يتم فيه التعلم وقد تكون هذه الوضعية إما تلقائية أو موجهة كما هو الشأن بالنسبة للتعلم المنظم داخل المدرسة.
2. شروط التعلم
قبل أن يبدأ المدرس عملية التعلم يبقى من الضروري الإعداد لهذه العملية وذلك بمراعاة شرطين أساسيين على الأقل: هما التحفيز والانتباه.
1.2-التحفيز
فعملية التحفيز إذن تتم من خلال علاقة بين طرفين أو أكثر، وتتطلب هذه العملية بداية القبول بالآخر والاقتناع بقدرته على التطور والثقة بإمكاناته. ولعل أول خطوة لبداية تحفيز جيد تقوم على بناء علاقات تربوية سليمة بين أقطاب جماعة القسم. فالمدرس من خلال اتجاهاته وسلوكياته التشجيعية نحو التلاميذ يساهم بشكل كبير في تعزيز هذه العلاقات. وإذا انطلقنا من التحفيز كشرط أساسي ضمن شروط التعلم الجيد يمكن تحديده بأنه مجموعة من القوى التي تفسر أنشطة الإنسان وتدفعه إلى الاشتغال مثل: الرغبة، الحاجة، الاهتمام، الإرادة، الهدف. أو بمعنى آخر هو مجموع القوى الشعورية واللاشعورية التي تحدد سلوك الإنسان. لكن ما يجب التأكيد عليه هو أن التحفيز مهما كانت طبيعته ليس معطى جاهز، بل مكتسب ويتم بناءه ليشكل في النهاية عاملا أساسيا لنجاح أو فشل أي تعلم.
يمكن الحديث عن نوعين من التحفيز وهما:
- التحفيز الخارجي Motivation extrinsèque وهو مرتبط بعوامل خارجية وقد يكون عبارة عن ثواب أو عقاب يتم بإحداهما إطلاق الفعل وتعزيزه لدى المتعلمين.
- التحفيز الداخلي Motivation intrinsèque ويجد هذا النوع من التحفيز مصدره في حاجات ورغبات المتعلمين للنجاح والتقدير الاجتماعيين الذي يتم تعزيزهما باعترافات رمزية من المحيط الاجتماعي. وسواء كان هذا التحفيز داخليا أو خارجيا فانه يعكس حالة من الاهتمام الموجودة لدى المتعلمين بحيث كلما ارتفعت درجة هذا الاهتمام ارتفع الإقبال على موضوع التعلم، وكلما ارتبط هذا الموضوع بحاجات المتعلمين كلما كان الاجتهاد في طلبه كبيرا.
ماهي المؤشرات السلوكية للتحفيز؟ وكيف يمكن التأكد من حصوله لدى المتعلمين؟
لكي يتأكد المدرس من حصول حالة التحفيز لدى التلاميذ يمكنه أن يلاحظ بعض السلوكات الدالة عليه ومن بينها ما يلي:
- سلوكات التعاون وتبرز لدى المتعلم في علاقته مع جماعة القسم بما فيها المدرس والتلاميذ.
كأن يقبل ما يصدره المدرس كأن يقبل ما يصدره المدرس من توجيهات أو يطلب منه معلومات وتوضيحات حول موضوع معين
أن يشارك بطرح الأسئلة أو تقديم عروض تكميلية حول موضوع الدرس... إلى غير ذلك.
أن يتفادى القيام بتصرفات من شأنها أن تعرقل السير العادي للعمل مثل الضوضاء أو الانشغال بأحاديث جانبية ...).
أن يقوم المتعلم بالأدوار المسندة إليه داخل جماعة القسم.
أن يستمع لآراء زملاءه ويناقشها.
أن يتقبل توجيهات وانتقادات زملاءه.
أن يلتزم بقواعد السلوك المتفق عليه داخل جماعة القسم.
- سلوكات الاستمرارية، وتتجلى فيما يلي:
- مواصلة المتعلم للعمل رغم وجود العراقيل والصعوبات.
- مواصلة العمل المسند إليه في غياب المراقبة المباشرة للمدرس.
- استمرار الرغبة في التعلم رغم الفواصل الزمنية التي تفصل بين مقاطع تعليمية متعددة.
- كأن ينجز المتعلم الأعمال المسندة إليه خارج الوضعية التعليمية سواء تعلق الأمر بتهيئة موضوع التعلم أو الاستزادة منه أو غير ذلك.
- التطوع للقيام بالعمال والأنشطة المرتبطة بالتعلم ومواصلة البحث في نفس الموضوع.
- الرغبة في سد الثغرات المتعلقة بتعلمه الخاص.
من خلال هذه المؤشرات السلوكية يمكن للمدرس أن يتعرف على مدى فعالية الطريقة التي اتبعها في تحفيز التلاميذ ومدى نجاحه في خلق الاهتمام بموضوع التعلم.
2.2-الانتباه
يشكل الانتباه شرطا آخر من شروط التعلم ويعني اختيار ذهني أو توجيه الشعور وتركيزه على شيء معين استعدادا لملاحظته.
وإذا كان الانتباه غالبا يرتبط بحالة التحفيز، فإن ذلك لا يكفي لتحقيق انتباه مركز وفعلي نحو موضوع التعلم، ومن تم فإن تنظيم وضعية التعلم خاصة لجلب انتباه المتعلم تصبح ضرورية ويستند هذا التنظيم إلى توفير مجموعة من الشروط الأساسية نذكر منها:
- أن يكون الموضوع المقصود بعملية الانتباه ملائما من حيث اللون كالعمل على إبراز موضوع الانتباه عن طريق تلوينه بلون مغاير وجذاب: كتلوين الكلمة أو الجملة المقصودة بالانتباه.
- أن يكون الموضوع المقصود بعملية الانتباه ملائما من حيث الحيز المكاني الذي يقدم فيه، كالعمل على إبراز الموضوع المقصود بالانتباه وذلك بعزله عن الموضوعات المشوشة التي قد تشتت انتباه المتعلم، كإخلاء المكان المخصص لتقديم الموضوع من كافة الأشياء غير الضرورية.
بالإضافة إلى هذه الشروط يجب مراعاة المسافة بين المتعلم وموضوع الانتباه بحيث لا ينبغي أن تكون كبيرة أو صغيرة جدا أي أن تكون ملائمة. وأن ينظم المتعلمون في أمكنة ملائمة تسمح لكل واحد منهم بمعاينة الموضوع. وأن تكون الموضوعات قابلة للإدراك بحيث لا تتطلب من المتعلم درجة عالية من التركيز الذهني. ألا يبالغ في تقديم موضوعات عادية جدا يتوفر المتعلم على خبرات حسية مرتبطة بها، مما قد يثير لدى المتعلم حالات من السخرية وعدم الاهتمام وبالتالي عدم الانتباه.
المراجع
- أحمد أوزي (2015) التعليم والتعلم الفعال. منشورات مجلة علوم التربية العدد 39
- سعيد بحيير (1996) علم النفس وقضايا الإنسان. الجزء الأول. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز. فاس.
- سعيد بحيير(2005) الصحة النفسية واضطرابات الشخصية. سلسلة الاستشارة السيكولوجية والمساعدة التربوية. الكتاب الثاني. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس
- عبد الرحمن محمد عيسوي (1984) علم النفس الفسيولوجي دراسة في تفسير السلوك الإنساني. دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت.
- عبد الكريم غريب وآخرون (1992) في طرق وتقنيات التعليم، من أسس المعرفة إلى أساليب تدريسها. سلسلة علوم التربية العدد 7
- عطوف محمود ياسين (1981). مدخل في علم النفس الاجتماعي. دار النهار للنشر. بيروت.
- الغالي أحرشاو(2008) السيكولوجيا الحديثة من المقاربة السلوكية إلى المقاربة المعرفية. سيكولوجية الطفل. مقاربات معرفية. منشورات مجلة علوم التربية.
- الغالي أحرشاو. أحمد الزاهر(2000) التمدرس واكتساب المعارف عند الطفل. مجلة العلوم التربوية والنفسية. العدد الأول. كلية التربية. جامعة البحرين.
- كريمة حليم (2000)"تمثلات النساء المتعلمات لتحرر المرأة". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في علم النفس، تحت إشراف الدكتور سعيد بحيير. جامعة سيدي محمد بن عبد الله ظهر المهراز. فاس.
- Etienne Bourgeois (2008) les Théories de l’apprentissage. Un peu d’histoire. Apprendre et faire apprendre. Presses universitaire de France. 4em tirage
- Le Ny J. F. (1980) Le conditionnement et L’apprentissage. Puf. Paris
- Lieury, A. Fenouillet, F. (1997). Motivation et réussite scolaire. Dunod. Paris
- Patrick Lemaire (2005) La psychologie cognitive. Collection ouvertures psychologiques. Ed De Boeck
- Piaget J (1993). La naissance de l’intelligence chez l’enfant. Neuchâtel. Delachaux et Niestlé
- Pierre-Henri François et André Botteman (2002). Théorie sociale cognitive de Bandura et bilan de compétences : Applications, recherches et perspectives critiques. Carriérologie. Volume 8, Numéro 3 et 4. pp.519-543
- Linton R. (1980) Les fondements culturels de la personnalité. Dunod. Bordas. Paris
- Skinner B. F. (1969). La révolution scientifique de l’enseignement. Dessart et Mardagat. Bruxelles
- Yves Bertrand (2003).Théories contemporaines de l’éducation. Chronique Sociale. Lyon

تعليقات
إرسال تعليق